ابن عطاء الله السكندري
4
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم التوبة إلى اللّه الحمد للّه رب العالمين وصلى اللّه على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . هذا كتاب ( تاج العروس الحاوي لتهذيب النفوس ) . تأليف الشيخ الإمام الجامع بين علمي الشريعة والحقيقة تاج الدين أبى العباس أحمد بن عطاء اللّه السكندرى رحمه اللّه تعالى وأسكنه بحبوحة جنته ، وأفاض علينا وعلى المسلمين من بركته ، وصلى اللّه وسلم على سيدنا محمد وصحابته آمين : أيها العبد اطلب التوبة من اللّه في كل وقت فإن اللّه تعالى قد ندبك إليها فقال تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 31 ) [ النور : 31 ] . وقال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ ( 222 ) [ البقرة : 222 ] . وقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ( إني ليغان على قلبي وإني لأستغفر اللّه في اليوم سبعين مرة ) « 1 » . فإن أردت التوبة فينبغي لك أن لا تخلو من التفكر طوال عمرك ، فتفكر فيما صنعت في نهارك فإن وجدت طاعة فاشكر اللّه عليها وإن وجدت معصية فوبخ نفسك على ذلك واستغفر اللّه وتب إليه فإنه لا مجلس مع اللّه أنفع لك من مجلس توبخ فيه نفسك ولا توبخها وأنت ضاحك فرح بل وبخها وأنت مجدّ صادق مظهر للعبوسة حزين القلب منكسر ذليل ، فإن فعلت ذلك أبدلك اللّه بالحزن فرحا وبالذل عزا وبالظلمة نورا وبالحجاب كشفا . وعن الشيخ مكين الدين الأسمر رحمه اللّه تعالى وكان من السبعة الأبدال قال كنت في ابتداء أمرى أخيط وأتقوت من ذلك وكنت أعد كلامي بالنهار فإذا جاء المساء حاسبت نفسي فأجد كلامي قليلا فما وجدت فيه من خير حمدت اللّه وشكرته عليه وما وجدت فيه من غير ذلك تبت إلى اللّه واستغفرته إلى أن صار بدلا رضى اللّه عنه . واعلم أنه إذا كان لك وكيل يحاسب نفسه ويحققها فأنت لا تحاسبه لمحاسبته نفسه ، وإن كان وكيلا غير محاقق لنفسه فأنت تحاسبه وتحققه وتبالغ في محاسبته ، فعلى هذا ينبغي لك أن يكون عملك كله للّه تعالى ولا ترى أنك تفعل فعلا واللّه تعالى لا يحاسبك ولا يحاققك ، وإذا وقع من العبد ذنب وقع معه ظلمة ، فمثال المعصية كالنار والظلمة دخانها كمن أوقد في بيت سبعين سنة ألا تراه يسود ؟ كذلك
--> ( 1 ) رواه الترمذي ( 5 / 383 ) ، وأبو داود ( 2 / 84 ) ، والنسائي في الكبرى ( 6 / 114 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1254 ) .